Bessan.jpg

3

لم يأخذ الموضوع حيزا كبيرا من تفكيري لأن امي لم تتكلم كثيرا و لم تعطيني تفاصيل وأرقام التي برع سياسيي بلادي في كتابتها ليتسولوا  علينا فيها لكنها وضعت في قلبي بذرة و إحساس كبر يوما بعد يوم الى أن سمعت على المذياع أن اليوم هو اليوم الوطني لحملة استرداد جثامين الشهداء المحتجزة والكشف عن مصير المفقودين و سمعت الكثير من الأرقام مثل سنة  ١٩٦٧ وقرار رقم ١٩٤ وعددالمفقودين٣١٧ والأمر العسكري الذي أصدرته قيادة الأركان العامة في ١/٩/١٩٧٦ ،والذي حمل الرقم٣٨٠١٠٩  امور حاولت تذكرها وحفظها لأرتبط أكثر وتكبر البذرة في قلبي وتصبح لها جذور و تثبت و لهذا بدأت بتدوين ما اعلم و ما أسمع لكي لا انسى.

رحلتي في البحث عن جدي أو ما تبقى من حكايته أخذتني لرحلة أخرى بدأت فيها البحث عن نفسي أيضا  و إكتشفت انما وصلت إليها لأنه ونتيجة لما حصل لجدي و بحساب بسيط لم انتبه له من قبل ، مثلا اسمي بيسان لأن الأخبار التي وصلت لعائلتي أن جدي توقفت أخباره في بيسان وانني الآن ادرس القانون لأن امي ارادت ان تكون بيدها سلاح للحرب  ولم يكن لديها سلاح الا  انا .

بعدما أسلمت لهذه العملية الحسابية بدأت البحث عن اي معلومه أستطيع أن أضعها في دفتري لأنني ادمنته وأصبح هو ذاكرتي وتحولت كل كلمه أضيفها اليه  دماء تخرج من قلبي لتغذي جسدي باشتياق لرجل لم اعرفه وقصة لم تعرف نهايتها بعد، و أردت ان أشبع بها فضولي عن بطل رسمت حكايات في بالي لبطولاته التي كانت بالنسبة له في الحقيقة ليست إلا واجب لحق آمن به .

1

قد تكون الصلة بيننا على الورق وفي الجينات دون معرفة انسانية سابقة، لكن هناك شئ يأخذني نحوه هناك صاعقة تهزني و تهزمني لأغرق في دموعي بائسه أبحث عنه و اعلم انه ليس سوى جسد لكني اريد جسده، احتاجه لأرسم نهاية القصة 

هذه.

 

أنا بيسان فتاة في مقتبل العمر  أحمل على كاهلي هم ورثته عن أمي و التي بدورها ورثته عن امها، لا ليس خاتما ماسيا او مجموعة فناجين صينية او معطف من فرو المنك كما يضعنا الأدب في هذا القالب الضيق و لكن صفحة من قضية عمرها أكثر من ستين عاما صفحة تحتاج لأسطر لتقلب و تعود القضية عامة بخصوصيتها لعائلتي اللاجئة في شتات الأرض.

أكتب في دفتر مذكراتي هذا كي لا أنسى أو أقبل أن تُنسى قضية جدي الذي كان مع من دافعوا عن أرض فلسطين و عادوا إليها بعدما أن تهجر بعد النكبة عام ١٩٤٨ شاب صغيرا و عاد في الستينيات من القرن الماضي و بعد عملية فدائية نفذها  انقطعت أخباره ولم تعرف عائلتي هل هو ميت فيحزنوا ويقيموا العزاء أم هو أسير يطالبوا بخروجه و عودته ليضع الورد على قبر جدتي التي ماتت من حسرة صعوبة الإنتظار. 

كنت صغيره و كنت آرى جدتي تبكي بصمت لأنها كانت تعتقد أن جرحها لوحدها و لم يكن سوى عبدالرحمن جدي من فقد و لم يعد أو حتى خبر يطفئ نارا في صدرها طال إشتعالها فقدت الحس الزمني لعمرها حتى اصبحت ظلام و أصبح كرها لعدو أخذ أفضل سنوات من عمر جدتي معه . 

2

كل هذا لم يكن عندي له معنى سوى انني كبرت في بيت  لم يعرف الفرحة كثيرا وعندما كنت أسأل أمي كانت تقول "بكرة بيجي اليوم و بتحملي الهم لا تستعجلي" و لم أكن أعلم ماذا تقصد الى أن توفت جدتي أصبح هذا الهم على كاهلها.

 و في يوم شتوي رمادي بارد فقدت السماء لونها و أنا أنظر من الشباك أتأمل أسراب الحمام تعود للسجون المكدسه فوق الأسطح ليس لأنها تحب العودة لكنها تعودت على المكان سمعت صوت أمي من خلفي تقول لي "ماما صار لازم تشاركيني همي لحالي ما بقدر احمله" التفت لها و لم أستطع أن أتكلم و هي لم تنتظر مني الكلام و قالت لي "بال٦٩ جدك ما قدر يصبر و قرر يرجع البلاد بإيده و نزل بعملية و الي سمعناه من الناس بعدين انه في مجموعة فدائيين هجموا على مستعمرة في بيسان  بس منهم مات و من هم راح عالآسر بس ما  حدا رجع ليحكي القصة، جدك بطل و حقه يندفن  بحيفا في بلده ما بدي اكون متفائله و اقلك إنه عايش بس " توقفت أمي عن الحديث و عينها تغرق في الدموع و أنا لم أعلق لأني لا أعلم من هو جدي سوى من صورة مهترئة و لا اعلم عن فلسطين سوى الأغاني الوطنية التي كبرت و أنا أسمع أمي تستمع لها و حفظتها بجانب كل درس في الحساب و التاريخ و الجغرافيا. 

4

في كل مرة تطورت طريقتي في البحث كلما كبرت القصة وزاد عدد الأبطال فيها إلى أن صدمت في يوم وانا ابحث وجدت معلومات أعادت القضية خاصة لوهله حيث قرأت مقالا عن ما اسماه العدو مقابر الأرقام و الثلاجات حيث انه يمكن ان يكون جدي في مكان كهذا لكن الذي صدمني أن من يدافعون عن حق تحويل الأرقام إلى بشر  لم يفعلوا ما هو أفضل حيث أنهم  اختلفوا  أن الإحصائية الرسمية في ٣٠٧ ام ٣١٧ أو ان المقابر فيها ٥٠٠ شخص هي ما بعد ١٩٨٢ ام أن مقبرة اخرى فيها ١٣٤ او ان بعضهم في ثلاجات بمعسكرات العدو و نسوا أن من يتكلموا عنهم هم آباء ، ابناء ،او اجداد تحولوا من ٣١٧ الى عائلات امتدت لأجيال  آصبحوا كالورود  التي نشرت لقاحها  و نثرتها لتخرج وتكون حدائق في أنحاء العالم هذه الأجيال اصبحت مليئة بالتناقضات بين حياتها الطبيعية و انتمائهم لفلسطين و بحثهم عن الصفحه الأخيره في هذه المخطوطة المفقودة من قصة أحد افراد عائلتهم.

و لكن لن أتوقف بسبب إختلاف الآراء فقد وصل الأمر لأبعد من ذلك و تذكرت أن أمي أرادتني سلاحا في وجه العدو قلما يرسم خارطة طريقنا الطريق الذي كل من عبره تاه و لم يصل الى أي مكان. 

لن أستسلم لن أتوقف و سأكمل قصتي و أكتب أخر صفحة من حكاية جدي ليعود إما أن يضع الورد على قبر جدتي أو يرقد جثمانه الذي ملّ كرقم بين العديد من الأرقام و تبدأ رحلتي الثانيه لينقل جدي و جدتي للحلم الذي ضحى جدي من أجله ...

حق العودة